فصل: تفسير الآية رقم (17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (15- 16):

{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16)}
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ} أي بعد الخلق والحياة. النحاس: ويقال في هذا المعنى لمائتون. ثم أخبر بالبعث بعد الموت فقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ}.

.تفسير الآية رقم (17):

{وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (17)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ} قال أبو عبيدة: أي سبع سموات. وحكى عنه أنه يقال: طارقت الشيء، أي جعلت بعضه فوق بعض، فقيل للسموات طرائق لان بعضها فوق بعض. والعرب تسمى كل شيء فوق شيء طريقة.
وقيل: لأنها طرائق الملائكة. {وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ} قال بعض العلماء: أي عن خلق السماء.
وقال أكثر المفسرين: أي عن الخلق كلهم من أن تسقط عليهم فتهلكهم. قلت: ويحتمل أن يكون المعنى {وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ} أي في القيام بمصالحهم وحفظهم، وهو معنى الحي القيوم، على ما تقدم.

.تفسير الآية رقم (18):

{وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (18)}
فيه أربع مسائل:
الأولى: هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما امتن به عليهم، ومن أعظم المنن الماء الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان. والماء المنزل من السماء على قسمين: هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه في الأرض، وجعله فيها مختزنا لسقى الناس يجدونه عند الحاجة إليه، وهو ماء الأنهار والعيون وما يستخرج من الأبار.
وروى عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الاربعة: سبحان وجيحان ونيل مصر والفرات.
وقال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. وهذا ليس على إطلاقه، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يقيد قوله بالماء العذب، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء. وقد قيل: إن قوله: {وأنزلنا من السماء ماء} إشارة إلى الماء العذب، وأن أصله من البحر، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد، ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به، ولو كان الامر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته.
الثانية: قوله تعالى: {بِقَدَرٍ} أي على مقدار مصلح، لأنه لو كثر أهلك، ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21]. {وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} يعني الماء المختزن. وهذا تهديد ووعيد، أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم، وهذا كقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً 30}- أي غائرا- {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ 30} [الملك: 30].
الثالثة: ذكر النحاس: قرئ على أبى يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن جامع بن سوادة فال: حدثنا سعيد بن سابق قال حدثنا مسلمة بن على عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أنزل الله عز وجل من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا».
الرابعة: كل ما نزل من السماء مختزنا كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر يغتسل به ويتوضأ منه، على ما يأتي في الفرقان بيانه.

.تفسير الآية رقم (19):

{فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (19)}
فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَأَنْشَأْنا} أي جعلنا ذلك سبب النبات، وأوجدناه به وخلقناه. وذكر تعالى النخيل والأعناب، لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما، قاله الطبري. ولأنها أيضا أشرف الثمار، فذكرها تشريفا لها وتنبيها عليها. {لَكُمْ فِيها} 10 أي في الجنات. {فَواكِهُ} من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة إذ فيها مراتب وأنواع، والأول أعم لسائر الثمرات.
الثانية: من حلف ألا يأكل فاكهة، ففي الرواية عندنا يحنث بالباقلاء الخضراء وما أشبهها.
وقال أبو حنيفة، لا يحنث بأكل القثاء والخيار والجزر، لأنها من القبول لا من الفاكهة. وكذلك الجوز واللوز والفستق، لان هذه الأشياء لا تعد من الفاكهة.
وإن أكل تفاحا أو خوخا أو مشمشا أو تينا أو إجاصا يحنث. وكذلك البطيخ، لان هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكه قبل الطعام وبعده، فكانت فاكهة. وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس لان ذلك لا يؤكل إلا في بعض البلدان. ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعد من الفواكه. وإن أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث. وخالفه صاحباه فقالا يحنث، لان هذه الأشياء من أعز الفواكه، وتؤكل على وجه التنعم. والافراد لها بالذكر في كتاب الله عز جل لكمال معانيها، كتخصيص جبريل وميكائيل من الملائكة. واحتج أبو حنيفة بأن قال: عطف هذه الأشياء على الفاكهة مرة فقال: {فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال: {وَفاكِهَةً وَأَبًّا 80: 31} [عبس: 31] والمعطوف غير المعطوف عليه، ولا يليق بالحكمة ذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنة. والعنب والرمان يكتفى بهما في بعض البلدان فلا يكون فاكهة، ولان ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه، ويابس هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها.

.تفسير الآية رقم (20):

{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)}
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَشَجَرَةً} 20 شجرة عطف على جنات. وأجاز الفراء الرفع لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى وثم شجرة، ويريد بها شجرة الزيتون. وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار. {تَخْرُجُ} في موضع الصفة. {مِنْ طُورِ سَيْناءَ} 20 أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه. وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، قاله ابن عباس وغيره، وقد تقدم في البقرة والأعراف. والطور الجبل في كلام العرب.
وقيل: هو مما عرب من كلام العجم.
وقال ابن زيد: هو جبل بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. واختلف في سيناء، فقال قتادة: معناه الحسن، ويلزم على هذا التأويل أن ينون الطور على النعت.
وقال مجاهد: معناه مبارك.
وقال معمر عن فرقة: معناه شجر، ويلزمهم أن ينونوا الطور.
وقال الجمهور: هو اسم الجبل، كما تقول جبل أحد. وعن مجاهد أيضا: سيناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده.
وقال مقاتل: كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء، أي حسن. وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فعلاء، وفعلاء في كلام العرب كثير، يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة، لان في آخرها ألف التأنيث، وألف التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فعلاء، ولكن من قرأ سيناء بكسر السين جعله فعلا لا، فالهمزة فيه كهمزة حرباء، ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل اسم بقعة. وزعم الأخفش أنه اسم أعجمي.
الثانية: قوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} 20 قرأ الجمهور {تَنْبُتُ} بفتح التاء وضم الباء، والتقدير: تنبت ومعها الدهن، كما تقول: خرج زيد بسلاحه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضمء التاء وكسر الباء. واختلف في التقدير على هذه القراءة، فقال أبو على الفارسي: التقدير تنبت جناها ومعه الدهن، فالمفعول محذوف.
وقيل: الباء زائدة، مثل: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وهذا مذهب أبى عبيدة.
وقال الشاعر:
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

وقال آخر:
هن الحرائر لا ربات أخمرة ** سود المحاجر لا يقرأن بالسور

ونحو هذا قال أبو على أيضا، وقد تقدم.
وقيل: نبت وأنبت بمعنى، فيكون المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، وهو مذهب الفراء وأبى إسحاق، ومنه قول زهير:
حتى إذا أنبت البقل

والأصمعي ينكر أنبت، ويتهم قصيدة زهير التي فيها:
رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم ** قطينا بها حتى إذا أنبت البقل

أي نبت. وقرأ الزهري والحسن والأعرج: {تنبت بالدهن} برفع التاء ونصب الباء. قال ابن جنى والزجاج: هي باء الحال، أي تنبت ومعها دهنها.
وفي قراءة ابن مسعود: {تخرج بالدهن} وهى باء الحال. ابن درستويه: الدهن الماء اللين، تنبت من الإنبات. وقرأ زر بن حبيش: {تنبت} بضم التاء وكسر الباء {الدهن} بحذف الباء ونصبه. وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب: {بالدهان}. والمراد من الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان، وهى من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها. ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار.
الثالثة: قوله تعالى: {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} 20 قراءة الجمهور. وقرأت فرقة: {وأصباغ} بالجمع. وقرأ عامر بن عبد قيس: {وَمَتاعاً}، ويراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل، يقال: صبغ وصباغ، مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ، حكاه الهروي وغيره. واصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبه الإدام به لان الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه.
وقال مقاتل: الأدم الزيتون، والدهن الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أدما ودهنا، فالصبغ على هذا الزيتون.
الرابعة: لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرب والخل وغير ذلك من الأمراق أنه إدام. وقد نص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخل فقال: «نعم الإدام الخل» رواه تسعة من الصحابة، سبعة رجال وامرأتان. وممن رواه في الصحيح جابر وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيد الله وابن عباس وأبو هريرة وسمرة ابن جندب وأنس وام هانئ.
الخامسة: واختلف فيما كان جامدا كاللحم والتمر والزيتون وغير ذلك من الجوامد، فالجمهور أن ذلك كله إدام، فمن حلف ألا يأكل إداما فأكل لحما أو جبنا حنث.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث، وخالفه صاحباه. وقد روى عن أبى يوسف مثل قول أبى حنيفة. والبقل ليس بادام في قولهم جميعا. وعن الشافعي في التمر وجهان، والمشهور أنه ليس بادام لقوله في التنبيه.
وقيل يحنث، والصحيح أن هذا كله إدام. وقد روى أبو داود عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال: «هذا إدام هذه».
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم». ذكره أبو عمر. وترجم البخاري باب الإدام وساق حديث عائشة، ولان الإدام مأخوذ من المؤادمة وهى الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداما.
وفي الحديث عنه عليه السلام: «ائتدموا ولو بالماء». ولابي حنيفة أن حقيقة الإدام الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل الفصل، كالخل والزيت ونحوهما، وأما اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز بل يجاوزه كالبطيخ والتمر والعنب. والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إداما، وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداما، والله أعلم.
السادسة: روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة». هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما يذكر فيه عن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وربما رواه على الشك فقال: أحسبه عن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وربما قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال مقاتل: خص الطور بالزيتون لان أول الزيتون نبت منها.
وقيل: إن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان. والله أعلم.

.تفسير الآيات (21- 27):

{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)}
قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ. وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} تقدم القول فيهما في النحل والحمد لله.
وفي هود قصة السفينة ونوح، وركوب البحر في غير موضع.
قوله تعالى: {عَلَيْها} أي: وعلى الأنعام في البر. {عَلَى الْفُلْكِ} في البحر {تحْمَلُونَ} وإنما يحمل في البر على الإبل فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض النعام.
وروى أن رجلا ركب بقرة في الزمان الأول فأنطقها الله تعالى معه فقالت: إنا لم نخلق لهذا! وإنما خلقت للحرث. قوله تعالى: {ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ} قرئ بالخفض ردا على اللفظ، وبالرفع ردا على المعنى. وقد مضى في الأعراف قوله تعالى: {ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يسودكم ويشرف عليكم بأن يكون متبوعا ونحن له تبع. {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً} أي لو شاء الله ألا يعبد شيء سواه لجعل رسوله ملكا. {ما سَمِعْنا بِهذا} أي بمثل دعوته.
وقيل: ما سمعنا بمثله بشرا، أتى برسالة ربه. {فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ} أي في الأمم الماضية، قاله ابن عباس. والباء في {بِهذا} زائدة، أي ما سمعنا هذا كائنا في ءابائنا الأولين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا. {إِنْ هُوَ} 90
يعنون نوحا {إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي جنون لا يدرى ما يقول. {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} أي انتظروا موته.
وقيل: حتى يستبين جنونه.
وقال الفراء: ليس يراد بالحين ها هنا وقت بعينه، إنما هو كقوله: دعه إلى يوم ما. فقال حين تمادوا على كفرهم: {رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ} أي انتقم ممن لم يطعني ولم يسمع رسالتي. {فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ} أي أرسلنا إليه رسلا من السماء {أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} على ما تقدم بيانه. قوله تعالى: {فَاسْلُكْ فِيها} أي أدخل فيها واجعل فيها، يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ** شلا كما تطرد الجمالة الشردا

{مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} 40 قرأ حفص: {من كل} بالتنوين، الباقون بالإضافة، وقد ذكر.
وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفى، والحمد لله.